Antar_MAدكتور محمد عنتر

قسم الهندسة الميكانيكية – جامعة الملك فهد للبترول والمعادن

د. محمد عبدالكريم عنتر، أستاذ بقسم الهندسة الميكانيكية في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن له أكثر من 80  بحثاً منشوراً في مجلات عالمية محكّمة ومؤتمرات دولية إضافة لبراءات الاختراع. شارك في تطوير محتوى العديد من المواد وأنشأ مادتين دراسيتين جديدتين تختصان بمنظومات تحلية الماء الحرارية في كل من مستوى البكالوريوس والدراسات العليا. حصل د. عنتر على جائزة التميز في التدريس على مستوى كلية العلوم الهندسية مرتين وجائزة لاستخدام التقنية في التدريس بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن في كما قام بالمشاركة في عدة ورش عمل ودورات لنشر استخدام التقنية في العملية التعليمية وتشمل أنشطة الدكتور عنتر البحثية مجالات العلوم الحرارية بشكل علم وتحلية المياه سواء بطرق تقليدية أو باستخدام الطاقة المتجددة.


تحظى تقنيات تحلية المياه باهتمام عالمي متزايد نظرا لندرة المياه في العديد من الأماكن في العالم. وذلك على الرغم من أن ثلثي الأرض مغطى بالماء، ولكن معظم هذه المياه (97.5٪) غير صالحة للشرب أو للزراعة وبالتالي لا تصلح لاحتياجات الإنسان أو الحيوان أو النبات. وعلاوة على ذلك، فإن معظم المياه العذبة التي تتوفر في جميع أنحاء العمل لا يمكن الوصول إليها كما في الجبال الجليدية وبعض مصادر المياه الجوفية العميقة. ويتسبب التوزيع غير المتكافئ للماء في جميع أنحاء العالم في مشكلة أخرى وهي شح المياه في الأماكن القاحلة ففي أفريقيا والشرق الأوسط توجد أقل حصة من موارد المياه الطبيعية والنقية. ولكن لحسن الحظ فإن هذه المناطق ذات المناخ الجاف غنية في مجال الطاقة المتجددة وعلى رأسها الطاقة الشمسية.

وتشمل هذه الدراسة مناقشة بعض التقنيات التي تستخدم لتحلية ماء البحر وعرضا لإمكانية الاستفادة من مصادر الطاقة المتجددة في هذا المجال الحيوي. وتشمل تقنيات المقطرات الشمسية، ومنظومات الترطيب وإزالة الرطوبة وكذلك تقنية التقطير بالأغشية. ويلاحظ أن ما هو شائع في جميع هذه التقنيات هو درجات حرارة منخفضة نسبيا اللازمة لتشغيلها (حوالي 80 درجة مئوية) والتي يمكن أن تتاح بسهولة باستخدام المجمعات الشمسية لتسخين المياه (وأحيانا الهواء) مع الأخذ بعين الاعتبار تحسين الأداء استخدام أنظمة استرجاع الطاقة وتناقش الاتجاهات الحديثة في هذه التقنيات. فعلى الرغم من أن الطاقة الشمسية هي في الأساس غير مكلفة ولكن يجب تصميم المنظومات بحيث تضمن الاستغلال الأمثل لهذه الطاقة ويستخدم تعبيرا لذلك مفهوم نسبة الإنجاز المكتسبة (Gained output ratio, GOR) التي تسمح fمقارنة النظم المختلفة وتبين مجال تحسين الأداء.

تصنف تقنيات تحلية الماء من ضمن التقنيات التي تستلزم الكثير من الطاقة لإنجازها ولذلك فهي تستخدم عادة على نطاق كبير لإنتاج كميات ضخمة من الماء النقي تكفي لاستهلاك مدناً بأكملها ويتم نقلها عبر الأنابيب لمئات الكيلومترات. وقد طورت مؤخرا بعض التقنيات التي يمكن استخدامها على نطاق أقل لتكفي قرى صغيرة تشمل بضع مئات من السكان وهذا النطاق يعتبر مناسبا تماما لاستخدام الطاقة المتجددة وبالذات في الأماكن التي لا تستلزم انشاء محطات تحلية عملاقة أو التي لا يمكن الوصول اليها بالأنابيب ربما لوعورتها أو ارتفاع التكلفة بشكل كبير. وهنا يلزم الإشارة إلى إحدى التقنيات المستخدمة حاليا على نطاق عالمي بشكل موسع وهي تقنية الضغط الأسموذي العكسي (التناضح العكسي) وتشمل إمرار ماء البحر (أو الماء غير النقي بشكل عام) خلال غشاء مصنوع من مواد خاصة تسمح بمرور المياه النقية ولا تسمح بمرور الأملاح مما ينتج مياهاً نقية ويلزم لهذه التقنية طاقة فقط لتشغيل المضخات التي تدفيء الماء تحت ضغط كبير خلال الأغشية. وتعتبر إحدى التقنيات منخفضة الطاقة مقارنة بالتقنيات الحرارية التي سيرد ذكرها فيما بعد. ويجري الباحثون العديد من الأبحاث لتحسين صفات الأغشية لتقليل ترسب الأملاح والمواد غير المرغوب فيها على سطحها مما يتسبب في سددها أو تقليل كفاءتها في إمرار الماء النقي وتستخدم أحدث تقنيات المتناهيات في الصغر (النانو) لتحسين خواص سطح الأغشية أو استحداث أغشية مطورة من مادة الجرافين. كما يتم استبدال الكهرباء التقليدية المستخدمة في تشغيل المضخات بكهرباء يتم الحصول عليها بواسطة ألواح كهروضوئية (PV Panels) تحول أشعة الشمس لطاقة كهربائية تستخدم في تشغيل المضخات ويعد هذا أحد استخدامات الطاقة الشمسية لتحلية الماء.

أما التقنيات التي تعتمد على استخدام الحرارة الناتجة عن الطاقة المتجددة لتحلية الماء فهي تعتمد أساسا على محاكاة دورة الماء في الطبيعة حيث يتم تبخير الماء ومن ثم تكثيف البخار على سطح بارد للحصول على الماء النقي ويمكن رصد أكثر التقنيات شهرة وهي المقطرات الشمسية ومنظومات الترطيب وإزالة الرطوبة وكذلك التقطير بالأغشية. ولا يفوتنا أن نذكر المحاولات التي تجري لاستخدام الطاقة الشمسية مع المنظومات التقليدية مثل منظومة التحلية (أو التقطير) متعددة المراحل (MED) ومنظومات الوميض متعدد المراحل (MSF).

ونقوم هنا بالتركيز على التقنيات التي يمكن استخدامها بسهولة ولا تحتاج إلى تكلفة ضخمة لإنشائها وتتضمن أول ثلاث من التقنيات السالف ذكرها ونبدأ بالمقطرات الشمسية وهي عبارة عن صندوق محكم الإغلاق مصنوع من مواد قليلة التوصيل الحرارة (عازلة) وأحيانا تضاف اليها شرائح من مواد عازلة لتحفظ الحرارة بداخلها وتقلل من معدلات تسربها ويغطي الصندوق بلوح رجاجي مائل (غالبا ما تساوي زاوية الميل قيمة خط العرض) كما هو مبين في الشكل 1 الذي يعرض رسم تخطيطي مبسط لأحد المقطرات الشمسية. وتقوم الفكرة على استغلال ظاهرة الاحتباس الحراري (Green house) في نفاذ اشعة الشمس إلى داخل الصندوق وذلك لنفاذية الزجاج لهذه الأشعة التي تتميز بالطول الموجي القصير بينما لا يسمح الزجاج بنفاذية الأشعة من داخل الصندوق نظرا لكونها ذات طول موجي كبير فيتم احتباس الحرارة بالداخل حيث توجد كمية من الماء تبدا في اكتساب الحرارة حتي تزيد درجة حرارتها عن 50 درجة ومن ثم تبدأ في التبخر (و من هنا يتبين أهمية إحكام غلق الصندوق لتزداد سخونة الماء ويزيد معدل التبخر) ويتصاعد البخار حتي يصل إلى السطح الزجاجي الأبرد منه (يتم تبريده بواسطة الهواء الخارجي) فيتكثف البخار على شكل قطرات من الماء تنزلق على الزجاج نتيجة لميله وتتجمع في أسفله ليتم تجميعها والاستفادة منها. ويكون هذا الماء نقيا حيث أن البخار المتصاعد من الماء الموجود داخل الصندوق يكون نقيا مهما كانت درجة ملوحة الماء. وهناك العديد من التعديلات التي تم إدخالها لتحسين أداء المقطرات الشمسية لا يمكن سردها هنا لضيق المساحة المخصصة ولكن يظل العيب الأساسي في هذه التقنية يتمثل في قلة كمية الماء النقي الذي يمكن الحصول عليه لأن جزءاً كبيرا من الطاقة الحرارية يتم اهدارها (يفقد البخار حرارته الكامنة عند التكثف ولا يتم استرجاع هذه الحرارة) مما يؤدي لمعامل أداء صغير (GOR < 1).

شكل رقم (1) رسم تخطيطي لأحد المقطرات الشمسية

أما بالنسبة لتقنية الترطيب وإزالة الرطوبة فقد نشأت الفكرة لتلافي بعض عيوب المقطرات الشمسية حيث يمكن تقسيم العمليات الحادثة في منظومات التحلية الحرارية عموما إلى عملية التسخين ثم التبخر (أو الترطيب) متبوعة بالتكثف (أو إزالة الرطوبة) وبينما تحدث هذه العمليات في وحدة واحدة في المقطرات الشمسية نجد أنه يتم فصلها في تقنية الترطيب وإزالة الرطوبة حتى يمكن تصميم كل وحدة على حدة وتحسين كفاءتها. وتتكون منظومة التحلية هنا من ثلاث وحدات السخان (الشمسي) ووحدة الترطيب ووحدة إزالة الرطوبة (التكثيف) ويمكن تصميم وتنفيذ كل وحدة على حدة وبالتالي يمكن تغيير التصميمات للأفضل لإنتاجية أكثر أو لاستغلال الطاقة بشكل أفضل. ويوضح شكل 2 رسم تخطيطي لإحدى هذه المنظومات بينما يعرض شكل 3 صورة لأحد الوحدات التي صممت ونفذت في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن. ويستخدم الهواء هنا كوسيط حيث يتم امرار الهواء الخارجي إلى المرطب حيث يتعرض بشكل مباشر للماء الساخن (تم تسخينه في السخان الشمسي) الذي يتم رشه في المرطب ليكون قطرات صغيرة وذلك لزيادة مساحة السطح مما ينتج عنه تبخر أكثر وبالتالي ترطيب أكثر للهواء يكاد يقترب من مرحلة التشبع. ثم يمرر الهواء الرطب الخارج من المرطب إلى المكثف حيث يتكثف بخار الماء على السطح الخارجي لأنابيب تحتوي على ماء البحر البارد) ويتجمع الماء المتكثف ويخرج من مخرج الماء النقي بينما يمكن تمرير الهواء للخارج أو يتم توجيهه مرة أخري للمرطب. أما بالنسبة للماء البارد فإنه يكتسب حرارة نتيجة تكثف البخار على السطح الخارجي للأنبوب (الحرارة الكامنة للتكثًف) ويخرج من المكثف (وحدة إزالة الرطوبة) دافئا وهكذا يكون قد تم استرجاع جزء من الطاقة ثم يمرر الماء لتسخينه إلى درجة الحرارة المطلوبة (ما بين 70 و80 درجة) قبل تمريره إلى المرطب لترطيب الهواء ويخرج الماء الذي لم يتبخر من فتحة أسفل المرطب ويتم التخلص منه (حيث يكون دافئا ويكون تركيز الأملاح فيه عاليا نتيجة خروج خار الماء النقي منه). ويمكن تصنيف هذه المنظومات حسب طريقة التسخين حيث يتم في بعضها تسخين الماء كما أسلفنا بينما يتم في البعض الآخر تسخين الهواء ويكون البعض في دورة مفتوحة (كالدائرة المفتوحة للماء في هذه المنظومة) أو دورة مغلقة (كما يمكن عمله في دورة الهواء) وأشكال أخرى كما توجد تصميمات أخرى لكل من المرطب والمكثف.

شكل رقم 2: منظومة الترطيب وإزالة الرطوبة (مع تسخين الماء)

وننتقل إلى تقنية ثالثة تختص بتحلية الماء وهي تقنية التقطير بالأغشية حيث يتم تسخين الماء باستخدام سخان (مجمع) شمسي ثم يتم امراره فوق سطح غشاء مرن من نوع خاص (طارد للماء) يسمح فقط بمرور البخار ولا يسمح بمرور الماء وبالتالي عند إمرار ماء البحر فإن البخار النقي فقط يمر خلال الغشاء إلى الجهة الأخرى حيث يتم تكثيفه مباشرة في تيار من الماء النقي (تقطير بالأغشية مع الاتصال المباشر) أو يتم تكثيفه في حيز من الهواء ينتهي بسطح بارد يتم تبريده بالماء (ولا يختلط الماء المتكثف في هذه الحالة مع ماء التبريد) ويسمى هذا النوع تقطير بالأغشية مع وجود حيز هوائي أو يتم تكثيف البخار عن طريق تفريغ هذا الحيز حيث يتم سحب البخار وتكثيفه في مكثف خارج الوحدة (تقطير بالأغشية مع التفريغ) أو يتم تكثيفه عن طريق استخدام غاز يسري في دورة مغلقة حيث يحمل بخار الماء إلى منطقة باردة (مكثف) خارج هذه الوحدة لتكثيفه الى ماء ومما نرى هناك أربع طرق لتكثيف البخار المار خلال الغشاء تقسم هذه التقنية لأربعة فروع (وتتم حاليا أبحاث جديدة تزيد هذا التقسيم وتستحدث تقنيات أخري لعملة التكثف) وجدير بالذكر أن درجة حرارة الماء الساخن هنا لا تتجاوز 90 درجة مما يجعل المجمعات الشمسية مناسبة تماما لهذا النوع من منظومات التحلية ويبين شكل 4 رسم تخطيطي يوضح فكرة عمل هذه التقنية  لأحد التقسيمات الأربع التي تم سردها حيث يعرض الاتصال المباشر بين البخار المار عن طريق الغشاء مع الماء البارد المستخدم في عملية التكثيف.

 

شكل رقم 3: التقطير بالأغشية وتستخدم فيها الطاقة الشمسية في تسخين الماء

ومن المهم أن نذكر أن الباحثين في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن قد قاموا بدراسة وتنفيذ العديد من هذه الوحدات سواء في المعمل أو كوحدات تجريبية تعمل بالطاقة الشمسية ويقوم الباحثون أيضا بتصنيع الأغشية للتقنيات المختلفة وتجربتها، كما تم التعاون مع معهد ماساشوسيتس التقني بالولايات المتحدة الأمريكية في تطوير أداء وحدات الترطيب وإزالة الرطوبة مما نتج عنه العديد من الأبحاث وبراءات الاختراع التي تساهم في تطوير تقنيات تحلية المياه وقد تم استخدام براءات الاختراع الناتجة في انشاء شركة في الولايات المتحدة تعتمد عل هذه التقنيات في كل من التحلية وكذلك معالجة المياه شديدة الملوحة كما قامت الجامعة بإنشاء مركز بحثي يختص بأبحاث تحلية المياه.