Yahiaالدكتور يحيى خليف

الهندسة الميكانيكية -جامعة الملك فهد للبترول والمعادن
khulief@kfupm.edu.sa

الدكتور يحيى خليف حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة الميكانيكية عام 1985 من جامعة الينوي بالولايات المتحدة الأمريكية، عمل أستاذا مساعدا في قسم الهندسة الميكانيكية بجامعة آلاباما حتى التحاقه بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن عام 1988، حيث يقوم بالتدريس والأبحاث والإشراف العلمي. شارك في العديد من الأبحاث التطبيقية المدعمة من مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتكنولوجيا وارامكو السعودية والشركة السعودية للكهرباء. قام بنشر ما يزيد عن 90 بحثا في مجلات علمية عالمية محكمة، كما ترجم إلى العربية كتاب مدخل إلى أخلاقيات مهنة الهندسة. الدكتور خليف حاصل على رخصة مهندس مهني مسجلة بولاية آلاباما منذ عام 1987، كما أنه عضو شرفي في الجمعية الأخوية للهندسة الميكانيكية باي تاو سيجما بالولايات المتحدة الأمريكية، ومحرر في المجلة العربية للعلوم والهندسة.


الطباعة ثلاثية الأبعاد هي عبارة عن عملية تصنيع أجسام صلبة ثلاثية الأبعاد بطريقة تراكمية لطبقات مقطعية رقيقة وفقا لما تمليه بيانات التصاميم التي تم إنشاؤها في ملف رقمي. وعلى الرغم من أن هذه التكنولوجيا قد عُرِفَت منذ حوالي ثلاثة عقود، فإنها لم تتبوأ مكانتها كواحدة من أهم التكنولوجيات الحديثة إلا منذ سنوات قليلة.  لقد تنبه الباحثون للإمكانيات الغير محدودة لهذه التقنية، والتي بدورها سوف تُحدِث ثورة في مجالي التصنيع والبحث العلمي على حد سواء.  فهذه التكنولوجيا الحديثة ستغير ما تعودنا عليه من الأساليب التقليدية في التصنيع، كما ستوفر لنا وسيلة فعالة لفهم العلوم وتعزيز الأبحاث العلمية.

لمحة تاريخية

في البداية، دعونا نقدم وصفا مختصرا لهذه التكنولوجيا على ضوء الطرق التقليدية السائدة في التشغيل والتصنيع.  تاريخيا، ومنذ بداية الثورة الصناعية في أوروبا اعتمدت عمليات التشغيل أساسا على معالجة القطعة المعدنية الأولية للحصول على الشكل المطلوب بدقة عالية عن طريق عدة عمليات تشغيلية تعتمد أساسا على تقطيع وإزالة طبقات أو أجزاء من قطعة التصنيع. ويتم ذلك باستعمال ماكينات التشغيل المختلفة التي تشمل آلات الكشط والثقب والخراطة والتفريز والتجليخ وغيرها من ماكينات التشغيل التقليدية أو الحديثة ذات التحكم الرقمي.  وتُستَعمل السباكة أيضا في تشكيل الأجزاء المعقدة الغير منتظمة، غير أن عملية السباكة لا تحقق نعومة الأسطح ودقة الأبعاد المطلوبة، كما أنها لا توفر امكانية الثقب الدقيق، ومن ثم يتم اجراء عمليات التشغيل على المسبوكات والمطروقات للحصول على نعومة الأسطح ودقة الأبعاد اللازمتان لجودة المنتج النهائي.  وإذا كانت عمليات التشغيل المذكورة تحقق نعومة الأسطح ودقة الأبعاد المطلوبة بما يفي بالمتطلبات الصناعية المتقدمة، إلا أنها تتطلب تكلفة عالية وكثيرا من الوقت، وخاصة في حالة المشغولات المعقدة المقرونة بمتطلبات دقة عالية.  فهناك عوامل عديدة تؤدي إلى تلك التكلفة العالية، مثل تصميم العدة المستعملة وطريقة التبريد المستخدمة، وفقدان جزء كبير من قطعة التصنيع نتيجة عمليات الازالة، والطاقة البشرية اللازمة لإدارة هذا العدد الكبير من ماكينات التشغيل، والاستهلاك العالي للكهرباء، والصيانة الدورية والوقائية، وإجراءات الأمان والسلامة.

وهنا تأتي تكنولوجيا الطباعة ثلاثية الأبعاد لتقدم أسلوبا مغايرا تماما لعمليات التشغيل التقليدية السالف ذكرها، بما فيها طرق التشغيل الأخرى مثل الإزالة بالطرق الكهروكيميائية أو الفوق صوتية أو القطع بالماء أو الليزر، وغيرها.  فعلى العكس من تلك الطرق التقليدية التي تقوم أساسا على إزالة طبقات من قطعة التصنيع الأولية، فإن الطباعة ثلاثية الأبعاد تقوم ببناء المشغولة عن طريق إضافة طبقات تراكمية رقيقة وصولا إلى المنتج النهائي.  هذا هو الفرق الجوهري بين التقنيتين، فالطباعة ثلاثية الأبعاد تتبنى اسلوب التشغيل بالإضافة وليس بالإزالة.

طريقة عملها

كيف تعمل تقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد؟ للإجابة على هذا السؤال، سنقدم وصفا موجزا للخطوات الأساسية لهذه التقنية مع عرض الطرق المختلفة لتحقيقها. نقطة البداية تتمثل في عمل تصميم افتراضي للجزء أو المنتج المراد تصنيعه. ويتم إنشاء التصميم الافتراضي بواسطة برامج التصميم باستعمال الحاسوب (CAD)، وذلك بتكوين نموذج رقمي للمجسم ثلاثي الأبعاد في حالة تصميم منتج جديد، أو باستعمال ماسح ثلاثي الأبعاد في حالة المنتج الموجود فعلا.  الماسح ثلاثي الأبعاد هو جهاز يقوم بعمل نسخة رقمية ثلاثية الأبعاد للمجسم الموجود. وحديثا بدأت الشركات الكبرى لتكنولوجيا المعلومات مثل ميكروسوفت وجوجول بتعزيز أجهزتها بإمكانيات الماسح ثلاثي الأبعاد، مما يوحي بأن الأجيال القادمة من أجهزة الاتصال الشخصية النقالة ستحمل هذه التكنولوجيا، وقريبا ستصبح عملية تحويل مجسم إلى نموذج رقمي ثلاثي الأبعاد بنفس سهولة أخذ صورة ضوئية بالهاتف المحمول.

بعد تخزين النموذج ثلاثي الأبعاد في ملف رقمي، تأتي الخطوة الثانية وهي تجهيز الملف الرقمي لعملية الطباعة. وفي هذه الخطوة يقوم برنامج النمذجة ثلاثية الأبعاد بتقطيع النموذج إلى مئات أو آلاف الشرائح المقطعية الأفقية. الخطوة الثالثة تتمثل في تحميل الملف الرقمي للنموذج المُقَطَّع إلى شرائح على الطابعة ثلاثية الأبعاد لتصبح جاهزة لبدأ عملية بناء الجزء المطلوب بوضع طبقات تراكمية، طبقة تلو الأخرى.

3dPrinting

الطابعات ثلاثية الأبعاد تستخدم تكنولوجيات مختلفة في التعامل مع الخامات المستعملة في تصنيع المجسم وكيفية إضافة الطبقات التراكمية من المادة المستعملة.  وفي عام 2010 أصدرت الجمعية الأمريكية للاختبارات والمواد (ASTM) عدة معايير لطرق التشغيل بإضافة طبقات تراكمية، كما قامت بتصنيفها وفقا للتقنية المستخدمة في التعامل مع المادة الخام وطريقة اضافة الطبقات. فعلى سبيل المثال، طريقة البلمرة الضوئية داخل حوض مليء بسائل الراتنج القابل للمعالجة بالأشعة فوق البنفسجية مع استعمال شعاع الليزر لبناء طبقات المجسم طبقة تلو الأخرى وفقا للنموذج الرقمي. وطريقة ثانية تعتمد على دفع المادة الخام على شكل رذاذ من خلال فوهة صغيرة القطر، على غرار الطريقة التي تعمل بها الطابعة النافثة للحبر، وطريقة ثالثة تُحمل فيها الطابعة ثلاثية الأبعاد على ذراع روبوتية متعددة المحاور، ويتم توزيع المسحوق المعدني من فوهة الطابعة على سطح افقي تحت تأثير مصدر للطاقة (مثل شعاع اليزر أو قوس البلازما) ليصهر المسحوق مكونا طبقة مقطعية، ثم تتوالى الطبقات حتى ينتهي تشكيل الجسم الصلب.

المميزات العملية للطباعة ثلاثية الأبعاد

تتفوق الطباعة ثلاثية الأبعاد على طرق التشغيل التقليدية السائدة بالميزات العملية والتشغيلية الآتية: (1) سهولة تعديل التصميم، وحفظه واسترجاعه، (2) إمكانية نسخ التصميمات باستخدام ماسح ضوئي رقمي  للنموذج الأولي، وبعد ذلك يتم تحويل البيانات إلى منتج ثلاثي الأبعاد من المادة المختار، (3) امكانية الحصول على الأشكال المعقدة التي تحتوي على الكثير من الأجزاء البارزة، والأجزاء المتداخلة، والأجزاء المعشقة والتي من الصعب أو المستحيل الحصول عليها بطرق التشكيل التقليدية، (4) لا تحتاج إلى استخدام أدوات أو أجهزة كثيرة، وبذلك يُختصر الوقت والتكلفة، كما تتميز بتكلفة أقل بكثير بالنسبة لإنتاج للأشكال المعقدة، (5)  سهولة الحصول على منتج مطابق لكل المواصفات القياسية.

الطباعة ثلاثية الأبعاد تعزز البحث العلمي

يعتبر مجال البحث العلمي من أهم المجالات التي أثرت فيها الطباعة ثلاثية الأبعاد، ويرجع ذلك إلى قدرة هذه التقنية على تصنيع ما يحلم به الباحث من أدوات أو أجهزة اختبارية جديدة بسهولة ودقة بالغة.  ولذلك أصبح الباحثون يستخدمون هذه التكنولوجيا لتعزيز معارفهم وأداء وظائفهم بسهولة وكفاءة، سواء كان ذلك في معاملهم الصغيرة أو حتى في المعامل المتقدمة بوكالات الفضاء. فلقد بدأت وكالة الفضاء بالاستثمار في تقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد لتسريع وتيرة برامج الفضاء، وذلك باستخدامها في الفضاء الخارجي لصنع الأدوات التي قد يحتاجها الرواد في الرحلات الفضائية البعيدة التي قد تستغرق سنوات، مثل رحلات الانسان المرتقبة إلى المريخ. كما تُدرس الطباعة ثلاثية الأبعاد بواسطة علماء وكالات الفضاء الأمريكية والأوربية من أجل استعمالها في بناء محطة قمرية من المواد المتاحة على سطح القمر.

وفي مجال الطب، توصل فريق من الباحثين إلى تحقيق انجاز علمي بتطويع الطباعة ثلاثية الأبعاد لاستخدام الخلايا الجذعية لتكوين أنسجة شبه حية، ومن ثم تصنيع أعضاء صناعية متوافقة تماما مع أي مريض. وهذا بدوره سيفتح المجال لإمكانية تخليق عينات من الأنسجة لاستعمالها في تجارب التسمم عند الإنسان دون الحاجة لاستعمال حيوانات التجارب. وفي مجال العلوم، ابتكر باحثون في جامعة هارفارد جلد سمك القرش الاصطناعي باستخدام الطباعة ثلاثية الأبعاد، وذلك من أجل دراسة علاقة القشور المجهرية التي تكسو جلد القرش بكفاءة الحركة داخل المياه. كما تستخدم هذه التقنية أيضا في صنع أشكال خفيفة الوزن ومعقدة التصميم لعلامات التتبع التي تستعمل في دراسة تنقلات الأسماك الكبيرة بالبحار والمحيطات. وهناك الكثير من الأمثلة الأخرى التي تبين مدى استفادة البحث العلمي من هذه التكنولوجيا.

نظرة إلى المستقبل

الطباعة ثلاثية الأبعاد ليست بديلا لطرق التشغيل التقليدية في الوقت الحالي، ولكنها إضافة عظيمة من شأنها تعزيز طرق التشغيل. ومع استمرار تطورها لتشمل معظم مواد التصنيع مع امكانية تشغيل الأجزاء كبيرة الحجم، فقد يتزايد الاعتماد عليها تدريجيا لتصبح الطريقة الأساسية للتشغيل في المستقبل المنظور. والآن أصبحت الطابعة ثلاثية الأبعاد الموجودة بالفعل قادرة على اخراج منتج ملون أو متعدد الألوان باستعمال مواد مختلفة من البلاستيك وبعض المعادن. ونظرا لتداخل هذه التقنية في معظم المجالات، فإنها تتطور بقفزات متوالية وسريعة. ففي بداية هذا العام، توصل فريق بحثي بجامعة كالورينا الشمالية بالولايات المتحدة الأمريكية إلى استحداث تقنية تسمح ببناء المنتج من الإناء المحتوي على الراتنج السائل بطريقة مستمرة، وبالتالي تحقق ميزتين: الأولى تتمثل في تفادي طريقة البناء المتقطعة المتبعة بوضع طبقات تراكمية مما يقصر وقت التصنيع إلى دقائق بدلا عن الساعات، والميزة الثانية تتمثل في نعومة سطح المنتج بسبب تفادي الفواصل الدقيقة المصاحبة لعملية البناء بوضع طبقات تراكمية.  وسوف تستمر الطابعة في التطور من مجرد بناء جزء واحد وصولا إلى القدرة على بناء منتج مُجَمَّع من عدة أجزاء. ونظرا إلى ميزاتها الأخرى المترتبة على توفير الطاقة والحد من النفايات، وتوافر المنتج، وتداخلها في الطب والفن والبناء والعلوم، فإن الطباعة ثلاثية الأبعاد ستغير عالم التصنيع عما نعرفه اليوم.

وتتسع تطبيقات هذه التقنية باطراد، فلقد قام مختبر أوك ريدج الوطني بالولايات المتحدة الأمريكية ببناء هيكل سيارة كاملة باستعمال طابعة ثلاثية الأبعاد. كما يتنافس بعض مصنعي السيارات على اختبار أول سيارة تم انتاج هيكلها بالكامل وبعض أجزائها بهذه التقنية، ومن المتوقع أن تظهر قريبا في الأسواق. وهناك الآن تجارب مبدئية لتطوير طابعة ثلاثية الأبعاد بحجم هائل يتناسب مع عمليات بناء المنشآت السكنية بنفس التقنية.

وفي مجال الرعاية الطبية والبحوث المتعلقة بها فإن استعمال الطابعة ثلاثية الأبعاد في بناء العناصر الحيوية أعاد صياغة السوق في هذا المجال الذي يأتي في مقدمة اهتمامات الإنسان.  فالطابعة ثلاثية الأبعاد تتيح حرية منقطعة النظير لتصميم وانتاج أجزاء خفيفة الوزن وغاية في التعقيد في مجال زراعة واعادة بناء الأسنان، والأحذية الطبية المتوافقة مع طبيعة القدم، والأطراف الصناعية، والمفاصل وغيرها الكثير. ومن المتوقع في السنوات العشرين القادمة أن يشهد العالم قلبا صناعيا يعمل بشكل صحيح دون رفض الجسم له. ويحاول العلماء تطوير هذا القلب الصناعي من خلال الطباعة ثلاثية الأبعاد باستخدام خلايا الجسم البشري. وفي الآونة الأخيرة، قام الباحثون في مجال الطب باستخدام الطباعة ثلاثية الأبعاد في علاج تهتك الأعصاب الناتج عن اصابات الحوادث، وذلك بتصنيع قنوات التوجيه العصبية، وهي عبارة عن اسطوانات مصنوعة من مواد حيوية متوافقة لتحفيز العصب على النمو.

لقد تحولت الطباعة ثلاثية الأبعاد من كونها نظرية إلى واقع، وخلال السنوات الأخيرة أصبحت أرخص وأكثر وفرة، حيث تتواجد بتصاميم ونماذج عديدة. ويتوقع الخبراء أن هذه الطابعات ستكون شائعة في السنوات القادمة، ليس فقط في المصانع والمكاتب، بل وفي المنازل أيضا. وتنبُّؤًا بمستقبل هذه التكنولوجيا الحديثة ونموها السريع، قامت الدول الصناعية بنشر هذه التقنية بين طلاب الجامعات والمدارس وزودتهم بطابعات ثلاثية الأبعاد لعمل المشاريع المدرسية من أجل اكتساب هذه المعرفة وتقدير دورها المرتقب في التطور والتقدم.  وفي هذا الصدد، يجدر الاشارة بالدور الرائد لجامعة الملك فهد للبترول والمعادن حيث تَبَنَّت نشر هذه التقنية ضمن مشروع فاب لاب الظهران، وهو الأول من نوعه في المنطقة الشرقية، والمتاح لطلاب الجامعة، بالإضافة إلى استقبال طلاب المدارس الثانوية والمتوسطة لتعريفهم بهذه التكنولوجيا وكيفية عملها وأهميتها المستقبلية كوسيلة ليس فقط للتصنيع بل للإبداع اللامحدود.